azzaman
2003/03/17
... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

نصوص - قصة قصيرة - بيت الذبابة - تيسير نظمي

نصوص - قصة قصيرة - بيت الذبابة - تيسير نظمي
لا بوازع اخلاقي ولا برفق أدعيه ابقيت علي حياة ذبابة صغيرة اكتشفت وجودها المؤنس علي مقربة من وحدتي اللامتناهية. لم يكن الجو يوم ذاك قائظا إلي الحد الذي يستفز الذباب ولا كانت ثيابي متسخة. لم يكن ما حولي يبرر لأية ذبابة أن تتحرك فوق أجواء صمتي النحاسية. بل كنت ساهما، كعادتي، اتلمس بعيني عالمي في عزلة تنزلق علي جدرانها انثي العنكبوت ولا يألفها ذكر العنكبوت. في عزلتي، لا اسمح، كعادتي، بأي تزاوج يخل بالسلام والسكينة التي أحصل عليها بشق الأنفس وسط عالم متسارع في أجواء تشهد سقوط عشرات الذكور من العناكب كي تستمر إناثها حفاظا علي ناموس الكون وإستمرارية الأنواع، سواء كانت هذه الأنواع نحلا أم ذبابا أم عناكب. فقد دربت نفسي منذ الصغر أن أكون مطلق الأنانية عندما يحين وقتي الذي التحم فيه بصمتي واسمع به دقات قلبي وليس دقات ساعة بليدة من الوقت. هكذا انا الأصلي، قطعة من السكون المظلل بظلام شفاف تتماوج في عيني الوان من الأسي والخسارات الممتزجة بالسماوي وأحيانا اللازوردي ا والكحلي الغامض الذي نادرا ما يزورني أو يهمس في خيالي بغير المتوقع والمعقول والممكن. ولأن الأمر كذلك، فقد ابقيت في عام1977.. في التاسع من آذار علي حركة ذبابة صغيرة وحيدة، اشفقت جدا علي عينيها الحزينتين اللتين رأيت فيهما بقدراتي الذهنية المجهرية انهما تنتميان لمسحة حزن ظليل حدد لي سماتي النفسية والانسانية منذ الخليقة بأكثر مما حدده لي حمض الــ DNA اللعين. هي غير ضارة وغير مزعجة،لا طنين لها أكثر من طنين الصمت وآلام البشرية التي لا يسكنها غير الموت القديم العتيق الأصيل الواقعي الصلب الجيولوجي المتراكم الطبقات من الأجيال والشعوب اناثها بذكورها صغارها وشيوخها المسنين. هكذا تهاتفت النفس مع النفس نافية فكرة استخدام وابل من الكيماويات والمبيدات المخترعة في مصانع الموت ضد ذبابة صغيرة لا حول لها ولا قوة. وهكذا راق لها رغم صغر السن أن تتغذي علي الطمأنينة الثقيلة والهواء الثقيل الذي أكاد اتنفسه بشق الأنفس نتيجة لإصابتي المزمنة بانخفاض الضغط ونقص الأملاح وهبوط الروح التي أجدها احيانا بين قدمي كعثرة من العثرات التي لا تنتهي أ وتزول من دربي. روحي اعرفها منذ أمد بعيد، كرة قدم معدنية غير قابلة للطيران أو التدحرج فوق سطح عالم دبق يأسرها في صدري كمعيق لاستنشاق الهواء الطلق العليل المليئ بأوكسجين الحياة الدافق. وهكذا فكرت بمسؤولية عالية أنني قد أتحمل مسؤولية إنجذاب تلك الذبابة الصغيرة إلي روحي الكسلي عن الحياة. فلست بغباء أذكر العنكبوت كي اقبل دون حكمة أو تعقل علي الحياة كي أرشف منها رشفة الموت اللعينة. منذ الصغر كنت أتجنب الأنثي. أراقبها عن بعد إذا كانت جميلة. اشاركها الأسي إن لم تكن جميلة وأستبقي لحظة عينيها بخيالي وبسمتها أو صوتها لمسراتي الخاصة دون ان أقترب وأخوض فيها وفي غموضها أو إنقلاباتها المسكونة بمفاجآت الملل أو الروتين أ والغدر كما لو كانت بمثل ما يقال عن مثلث برمودا. فكيف لي أن أقترب إذا ما كنت عارفا بأسرار أنثي العنكبوت التي يقتل ذكرها بعد ليلة الدخلة فتواصل العيش دونه ودون فحولته الغبية. وما دامت ذبابة فلم أكترث في الرابع عشر من نيسان إن كانت تلك الصغيرة من ذكر الذباب أم من انثاه، فقلما خطر ببالي تفحص الذباب أو التفرقة حسب الجنس أو اللون فقد أدركت أنها صغيرة وغير مؤذية وهادئة بل ووديعة لا طنين لها يعلو علي طنين الروح الثكلي أو الزمن النائم أ والسكون المنصوب فوق روحي مثل خيمة في لهيب صحراء الربع الخالي. وهكذا آنست فيها مؤنسا لعالمي الذي اتسع للضواري والوحوش فكيف لا يتسع لذبابة! وما ان عدت من يوم عملي الشاق حتي وجدتها قد غيرت مكانها فإذا بها فوق مكتبي. أزحت لها الكتب كي لا أغفل فأغلق عليها سهوا كتابا فتموت. ومنحتها مساحة معقولة من المكتب. وفي اليوم التالي عدت الي المكان ذاته لأجدها فوق كرسي المكتب، ولم أرد ازعاجها، فانتظرت حتي ملت الجلوس فوق كرسي المكتب وأخذت تتمشي علي مسنده ثم قفزت إلي كتاب رأس المال لكارل ماركس وبالقرب من اسمه المكتوب علي الغلاف جلست دون حراك. فخشيت عليهامن هذا الموقع الخطير وعلي ذكراه ه وأيضا. لذلك مددت يدي برفق نحوها فاذا بها تجلس فوق سبابتي التي أكتب بها. وبقيت ديمقراطيا معها لا أريد ارغامها علي ما لا تريده أو تراه مناسبا عقب تدخلي في موقعها علي الكتاب لأسباب أيديولوجية. لذلك ألغيت مشروع كتابة رواية أ وقصة حرصا علي حسن سلوكياتي وممارستي مع ذبابة صغيرة لا حول لها ولا قوة، لا حزب لها ولا تنظيم، لا عائلة لها ولا مصدر رزق. بل أنها ربما تعاني عند غيابي عن المنزل من مشاهد الموت المرعبة المتمثلة بعبوات الـDDT والغازات السامة التي جعلتها الحضارة في متناول ايدينا لإبادة الصراصير والبعوض والذباب والصمت والأوكسجين والحزن وأشياء جميلة لا حصر لها. لكنني في الشهور التالية بدأت الاحظ ما طرأ عليها من تغيرات، فقد غدت كبيرة وأصبح لها طنين وشرعت تتجول بزه وفي المنزل ودون حياء. فقلت لنفسي: أو ليس هذا حقها في النمو والتطور والفرح والحبور؟ لكن هذا الاعتقاد سرعان ما طرأ عليه ما يزلزله من اساسه المكين. فقد عدت ذات يوم وتحديدا في صيف عام 1982 لأجدها بحجم عصفور يجلس دون وجل علي مكتبي وتأكل السكر وتشرب الشاي وبعض الكعك الذي لم يرق لي ان اذوقه بعد ممارستي لعبث الشراء. ولكأنما كنت علي موعد مع هذه الطفرة، فالعالم اصبح يستخدم كل مخترعاته دون حكمة أو تعقل في كل شئ، فلماذا لا تكون هنالك طفرة في نم والذباب أ وعلي الأقل في نم وذبابة واحدة فقط تعاني مثلي من العزلة والصمت والضياع والحزن؟ غير أن كل معتقداتي وعقلانيتي وواقعيتي اهتزت اليوم عندما عدت إلي المنزل لأجدها ذبابة بحجم الذئب وبانيابه وبتكشيرة لبؤة تجلس في مكاني وتقول: من سمح لك بالدخول؟

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1455--- Date 18/3/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1455 --- التاريخ 2003 - 3 - 18

AZP09
AYNS

Editor in Chief   Saad Albazzaz
تصويت
ما الذي سيحصل في العراق اذا طبق قانون الاقاليم؟
استقرار العراق
انتهاء العنف
تفتت العراق
انهيار الامن



   مقال فاتح عبد السلام 

Alefyaa
Alsharqiya TV
alsharqiya.com
International Edition الطبعة الدولية
Iraqi Edition طبعة العراق